ابن تيمية
105
مجموعة الفتاوى
كُلُّهُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ الْمَذْكُورَةُ بَلْ فِيهِ أَمْرٌ بِالْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَطْلُوبُ مِن العِبَادِ الْمَعْرِفَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْعَمَلُ الْوَاجِبُ وَالْأُمَّةُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْأَعْمَالِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِن الوَاجِبَاتِ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ نَازَعُوا فِي كَوْنِ الْأَعْمَالِ مِن الإِيمَانِ فَلَمْ يُنَازِعُوا فِي أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَغَيْرَهَا مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحَرَّمَ الْفَوَاحِشَ : { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقُدِّرَ أَنَّ سُورَةً مِن السُّورِ تَضَمَّنَتْ ثُلُثَ الْمَعْرِفَةِ لَمْ يَكُنْ هَذَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ . الثَّانِي أَنْ يُقَالَ : قَوْلُ الْقَائِلِ مَعْرِفَةُ ذَاتِهِ وَمَعْرِفَةُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَعْرِفَةُ أَفْعَالِهِ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ ذَاتَه تُعْرَفُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ وَلَوْ قَدَّرَ إمْكَانَ ذَلِكَ أَوْ فَرَضَ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ ذَاتاً مُجَرَّدَةً عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ السَّلْبِيَّةِ وَالثُّبُوتِيَّةِ فَلَيْسَ ذَاكَ مَعْرِفَتُهُ بِاَللَّهِ أَلْبَتَّةَ وَلَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلْبِيٍّ أَوْ ثُبُوتِيٍّ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن العُقَلَاءِ هَذَا إلَّا الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ يَقُولُونَ : يُسْلَبُ عَنْهُ كُلُّ أَمْرٍ ثُبُوتِيٍّ وَعَدَمِيٍّ فَلَا يُقَالُ مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ وَلَا عَالِمٌ وَلَا لَيْسَ بِعَالِمِ وَلَا قَادِرٌ وَلَا لَيْسَ بِقَادِرِ وَلَا نَحْوِ ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّهُمْ